الشنقيطي
465
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الفرع . قال عبد الرزاق في تفسيره : أنا معمر عن الحسن في قوله فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ قال بدينهم ؛ ويروى عن أبي هريرة . وقال ابن عباس : استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا . وقال آخرون : بنصيبهم من الدنيا . وحقيقة الأمر : أن الخلاق هو النصيب والحظ ، كأنه الذي خلق للإنسان وقدر له ، كما يقال : قسمه الذي قسم له ، ونصيبه الذي نصب له أي أثبت . وقطه الذي قط له أي قطع ، ومنه قوله تعالى : وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) [ البقرة : 200 ] وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّما يلبس الحرير في الدّنيا من لا خلاق له في الآخرة » « 1 » . والآية تتناول ما ذكره السلف كله ، فإنه سبحانه قال : كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ الروم : 9 ] فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة ، وكذلك الأموال والأولاد ، وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق ، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم في الدنيا ، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به . ولو أرادوا بذلك اللّه والدار الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة ، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجل ، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها . ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ [ التوبة : 69 ] فدل هذا على أن حكمهم حكمهم ، وأنهم ينالهم ما ينالهم ، لأن حكم النظير حكم نظيره . ثم قال : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] . فقيل « الّذي » صفة لمصدر محذوف ، أي كالمخوض الذي خاضوا وقيل : لموصوف محذوف ؛ أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض . وقيل : « الّذي » مصدرية « ما » أي كخوضهم . وقيل : هي موضع الذين . والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاف وبين الخوض بالباطل . لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض ، أو يقع بالعمل ، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق . فالأول البدع . والثاني اتباع الهوى ، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء ، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب ، ودخلت النار وحلت العقوبات . فالأول من جهة الشبهات ، والثاني من جهة الشهوات ، ولهذا كان السلف يقولون : احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى فتنة هواه ، وصاحب دنيا أعجبته دنياه ! وكانوا يقولون : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعلمون بخلافه ، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر مسلم في اللباس والزينة حديث 7 .